حوار مع المعمار عبد الواحد الوكيل

 Architect Abdel-Wahed El-Wakil

حوار مع المعماري عبدالواحد الوكيل

 

التقاليد والفن أ.د مشاري بن عبدالله النعيم

كنت في جلسة مع المعماري المعروف عبدالواحد الوكيل، المكان كان في فندق اوبروي في المدينة المنورة وكنا معا في لجنة تحكيم لبوابات المدينة، وكنا قبل ذلك في نقاش وحوار وصراع طوال اليوم حول المشاريع المقدمة لهذه المسابقة. في نقاشه، دائما يكون الوكيل مهيمنا على الحديث بصوته الجهوري ودعاباته التي تنتهي وصراحته المعهودة، ودائما هناك مجموعة من المبادئ التي يصر عليها عبدالواحد في حديثه حول العمارة وهي تشكل "قيم ثابته" بالنسبة له، فمثلا هو لا يفضل كلمة "تطور" Evolution ويرى أن الفن الاسلامي والعمارة العربية/الاسلامية مبنية على فكرة الشغل والعمل التفصيلي الذي يطور الاشياء والاشكال (التطوير) Elaboration وهو يؤكد هنا أنه يجب على الباحث في مجال العمارة أن ينظر إلى الكيفية التي طور بها المسلمون عناصرهم المعمارية فإذا أردنا أن ندرس المئذنة يجب أن نرى كيف طور المماليك وبعدهم العثمانيين المآذن لا أن نتوقف عند دراستها في القرى والبلدات المحلية التي لم تتطور فيها تلك المآذن، وهذا ينطبق بالطبع على العناصر المعمارية الآخرى مثل الفناء والمشربية وحتى عمارة المسجد والبيت والعناصر الأخرى.

 

والحقيقة أن الفرق بين "التطور" وبين "التطوير" له دلالاته الشرعية فغالبا ما تشير كلمة "التطور" إلى النظرية "الداروينية" التي تعني أن المخلوقات والاشياء تطورت من أصول مختلفة عن شكلها الحالي، فالإنسان تطور عن القرد بينما تعني كلمة "التطوير" أن المخلوق أو الشيئ تطور من نفس جنسه لكنه مر بتجارب أو تعامل معه حرفيون مهرة صنعو منه شكلا متطورا لكنه مازال مرتبط بجذوره وأصله.  الفرق هنا كبير، والعمارة العربية/الاسلامية بكل فنونها هي عمارة "تطويرية" وليست "تطورية" فهي لم تخلق من العدم ولم تتطور من اصول أنقطعت عنها بل هي في الاصل فنون "أخلاقية" وتطورها كان ضمن القاعدة الاخلاقية التي نشأت منها، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم بعث برسالة الاسلام، لم يرفض كل تقاليد الجاهلية بل قال "أنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ونحن قناعة أن العمارة العربية/الاسلامية المبكرة نشأت في سموها الاخلاقي في حضن العمارة التي سبقتها في الجزيرة العربية وتهذبت بتعاليم الاسلام ونظامه الاخلاقي العميق.    

 

ويؤكد الوكيل كذلك أن العمارة تعتمد بشكل رئيس على تعاقب الاحداث، أي أنه يوجد "دراما" في التصميم المعماري لابد أن يقود إلى نهاية ما، فإذا كان التصميم لا يحقق هذا التعاقب في الاحداث وفي قيادة مستخدم المبنى إلى النهاية فأن هذا التصميم "فاشل".  نظرة الوكيل للعمارة العربية الاسلامية على أنها عمارة "درامية" تصنع الحدث وتقود المشاهد على المستوى الفراغي والبصري ترتكز على فكرة العلاقة بين الاشكال المختلفة التي تحتويها العمارة في مكان واحد، فمثلا كل عمود في المسجد بالنسة له "حدث" أنه يعني "مدرسة" تعليم ويعني تحلق طلاب العلم حول الشيخ في المسجد.  في هذه العمارة، كل شيء مقصود وله وظيفته ويصنع أحداث لا نهائية.  العقود المصطفة خلف بعضها البعض والمشهد البصري الحركي الذي تصنعه وعلاقتها بالضوء والعتمة، الأحداث الدرامية التي تصنعها العمارة العربية/ الاسلامية لا نهائية، وتطورها نابع أصلا من التعلم من هذه الاحداث وفكرة "التجربة والخطأ" تحددها هذه الاحداث التي تعمل بمثابة المرآة النقدية التي تطورت على ضوئها العمارة العربية طوال القرون الماضية.

 كما أنه مؤمن بفكرة التعلم من الماضي بل ومؤمن بأن النقل من الماضي ليس خطأ ولكن كيف تنقل من الماضي، كيف تتعلم من كل هذه الكنوز، فالمسئلة ليست كما ترى الاشياء بل كما تنفذها فهل تستطيع تنفيذ المقرنصات بشكل صحيح وهل تستطيع أن تبني عقود مخموسة ومدببة بنفس نسبها التاريخية.  الاشكالية هنا في المقدرة الفنية على التنفيذ Knowhow ، ويرى هنا أن مشكلة كل المعماريين العرب المعاصرين أنهم وقعوا في مأزق إستسهال النقل من التاريخ دون مقدرة معرفية وتقنية حقيقية على النقل ودون فهم للتاريخ أصلا.  المضحك المبكي، أن هناك من ينقل الشكل التاريخي ويقوم بتضخيمة وجعله شكلا عملاقا ويعتقد أنه حقق النسب المطلوبة وينسى أن هذه الاشكال التاريخية تطورت ضمن مقاس إنساني حافظ على بريقها الجمالي.  التعامل مع الشكل التاريخي، بالنسبة للوكيل، سيظل قضية وسر يحتاج إلى فهم وعمق وليس مجرد نقل.   

لقد شد انتباهي سؤال وجهه لي عبدالواحد الوكيل أثناء نقاشنا حول مشاريع المسابقة، فقد قال لي فجأة: أتعرف لماذا أنا مهتم بالتقاليد؟  قلت له ربما، فأنت معمار متأثر بأحد رواد التقليد في العمارة وهو المعمار حسن فتحي، فقال لي الأمر أبعد من ذلك بكثير.  قال: أتعرف لماذا يستطيع الحرفي الذي لم يتجاوز عمره الخامسة عشر في كوريا من انتاج اعمال خزفية في غاية الجمال؟  ألم تسأل نفسك لماذا لا يستطيع هذا الحرفي الصغير انتاج القبح، لأنه يعمل ضمن تقاليد تحميه من القبح.  التقاليد تقوم مقام المصل Immune ضد القبح فهي تحمي الحرفي من إنتاج القبح وبالتالي فأن الحرفي الصغير يستطيع انتاج اعمال جميله لا يستطيع انتاجها كبار الفنانين. 

مشكلتنا في الوقت الحالي هي أننا تنازلنا عن التقاليد التي تحمينا من القبح ففقدنا حصانتنا الذاتية فصرنا لا نعرف انتاج الجمال ولا نقدره.  الرسالة التي كان يريد أن يوصلها عبدالواحد هي أننا بلا تقاليد تحمينا في الوقت الراهن، ويبدو أن فكرة التقاليد التي يمكن أن تجمعنا وتوحدنا ليست هي كل شيئ، ففعلا تقوم التقاليد بربطنا برباط واحد وتوحد رؤيتنا للأشياء لكنها كما ذكر عبدالواحد هي تحمينا بشكل عفوي من انناج القبح، فقد كنا ننتج الاشياء والاشكال والعمارة التي نعيش فيها من خلال هذه التقاليد التي تمكننا من إعادة انتاج الاشكال الجميلة بطريقة عفوية وعميقة.  والحقيقة أن هذا التعريف لمعنى التقاليد الذي ذكره عبدالوحد الوكيل جعلني افكر في معنى "التقاليد" أو كيف ننظر نحن إلى هذه التقاليد، فأنا على يقين أننا دائما نمر على التقاليد بشكل عابر ولا نتوقف كثيرا عند تمكن هذه التقاليد من "آلية الانتاج" الجمالي وحتى الاجتماعي لدى المجتمعات.  التقاليد بهذا المعنى ليست مجرد "مسلمات" يؤمن بها مجموعة من الناس ويمارسونها في طقوسهم الحياتية، بل هي فعلا "المصل" الذي يحميهم من غزو الآخر الذي يمكن أن ينقل إليهم أمراضه وافكارة ويذيبهم في ثقافته.  دور التقاليد هنا هو إعادة إنتاج الجميل البصري والاجتماعي بشكل عفوي.  ومع ذلك فأنني اعتقد أن "التقاليد" تحتاج إلى فهم أكثر، ربما نحتاج أن نتعلم كيف تعمل هذه التقاليد وكيف هي تتشكل ضمن التراث وكيف تحكم هذا التراث؟  هذه الأسئلة كلها أثارها حديث عبدالواحد الوكيل الذي لا ينفك عن تطرفه في طرحه للأفكار المثيرة التي تحرك العقل.

يرى الوكيل أن "المكان" كفكرة وكحقيقة في الثقافة العربية/الاسلامية له خصوصية، وله درجات ويجب التعامل مع كل مكان بحسب أهميته ويعلق على قول الله تعالى: "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى" (سورة طه: 12)، بأنه تحولا في التفكير حول معنى "المكان المقدس" أو كيفية التعامل مع هذا المكان.  ويرى، وهذا أثناء مناقشتنا لمشاريع مداخل المدينة المنورة بصفتها مداخل لمكان مقدس، أن الله سبحانه وتعالى في أول حديث له مع بشر، بعد آدم عليه السلام، (موسى عليه السلام) طلب منه أن يخلع نعليه لأنه في الوادي المقدس طوى، وهذه رسالة من الله سبحانه وتعالى تعرف بحرمة المكان القدس وأهمية التعامل معه باحترام والكيفية التي يجب أن يتعامل الانسان مع هذا المكان. 

ربما يفسر هذا معنى "الحرم"، وكيف أن مكة كلها حرم وأنها حرمت على غير المسلمين وكيف يجب أن نتعامل مع هذا المكان المقدس الذي له حرمته التي يجب أن تصنع خصوصيته.  في بوابات المدينة كانت محاولة التعبيرعن هذه "الحرمة" غير واضحة، فما زلنا بعيدين جدا عن القدرة على التعبير عن هذا المعنى القرآني الواضح لمعنى المكان المقدس، فرغم أن التعامل هنا بسيط ومباشر وهو خلع النعلين، إلا أن المقدرة على نقل هذا المعنى عمرانيا يبدو أنه صعب جدا.  ففي الغالب هناك فجوة كبيرة بين التعبير الرمزي وبين التعبير المعماري المادي، تجعل من مقدرة العمارة على التعبير عن الرموز محدودة.  فمثلا يتكرر هذا المعنى عند الدخول للمسجد فالكل يخلع حذاءه قبل الدخول للمسجد ولا أعلم إذا كانت أماكن العبادة في الاديان السماوية الأخرى تستلزم خلع الحذاء عند الدخول، لكنني لاحظت في الثقافة الاسلامية أن خلع الحذاء جزء من فكرة "الحرمة"، فمثلا تعودنا في مجالسنا القديمة أن نخلع احذيتنا قبل دخولها وكذلك البيوت التركية خصوصا في "زعفران بولو" في شمال تركيا، حيث يتطلب دخول البيت خلع الحذاء ولباس حذاء آخر معد للحركة داخل المنزل. 

كما أن فكرة الحركة والمكان المحرم مهمة على مستوى تفاصيل المسكن فهناك المكان المخصص للنساء وكان يسمى في مصر "حرملك"، وفي اعتقادي أن "المكان المقدس" أو "المكان المحرم" في ثقافتنا العربية/ الاسلامية نسبي وله درجات متعددة يبدأ من المكان المطلق القداسة (مكة والمدينة) إلى المكان المقدس بشكل عام (المسجد) إلى الاماكن المحرمة اجتماعيا وهي الاجزاء الخاصة للعائلة والنساء.  كما أنني على يقين أنه كلما نزلنا في درجة الحرمة والقداسة كلما اصبح المكان قابل للتحول والانتقال إلى مكان غير محرم.  هذه مجرد أفكار تحتاج إلى بحث ودراسة لكنها تعيدنا للتفكير مجددا في معنى الآية القرآنية التي تضع إطارا عمرانيا واضحا في كيفية التعامل مع المكان المقدس، اي كان هذا المكان.      

ويبدو أن الوكيل له رؤيته "الكونية" العامة حول ما أنتجته الحضارة الاسلامية من عمارة فهو يقول عن الآية القرآنية: " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ" (سورة الانبياء: 16)  أنها تعبير قرآني أستخدم في العمارة بشكل مكثف، حتى أنه يمكننا القول أن الفكرة "الكوزمولوجية" في الاسلام هي تعبير عن هذه الآية التي يبدو أنها شكلت توجها فلسفيا لتفسير العديد من المباني في الحضارة العربية/الاسلامية، فالسماء هي "القبة"، حتى أنني مازلت أذكر بعض الكلمات التي وصف بها "هوج" القبة التي تعبر عن "الجنة" أو السماء في كتابه "العمارة الاسلامية" وكنا قد درسنا هذا الكتاب ونحن طلابا في كلية العمارة، ولم نستوعبه بشكل واضح.  والحقيقة أن الاية الكريمة تعبر هنا عن نظام عمراني متكامل قد أختلف في تفسيره عمن يتجه نحو "الكوزمولوجية" فأنا أرى كل بناء هو مرتبط بالسماء وبالأرض وأن مكونات البناء نفسه هي "ما بينهما". 

في اعتقادي أن هذه الآية يمكن أن تفسر العديد من الافكار المعمارية التي تجعلنا نفهم معنى الفناء نفسه الذي هو يصنع العلاقة المباشرة مع السماء وكيف أن هذا الفناء كان مهما إلى درجة كبيرة حتى أنه عندما انفصل المسجد العثماني عن فناءه بعد فتح القسطنطينية تضخمت قاعة الصلاة وصارت القبة تحل محل الفناء ولم يكن ذلك بسبب التطور التقني فقط (حسب ما يراه عبدالواحد الوكيل).  والحقيقة أن الوكيل كذلك يفسر ضخامة الاعمدة في المعابد الفرعونية بأنها جزء من فلسفة "المكان" ومن رؤية الفراعنة الخاصة لمعنى المكان، فقد كانت المعابد لا تستخدم من الداخل وكان الناس تتجمع خارج المعبد بينما كان كل عامود داخل المعبد بمثابة كتاب.  الفراعنة اكتشفوا الأقبية والقبة والعقود لكنهم لم يستخدموها لأنهم لم يحتاجوا لها للتعبير عن رؤيتهم للمكان، ومن يقول أن الرومان هم أول من استخدم العقود والقبب في العمارة فهذا غير صحيح.  هذه الرؤى المختلفة حول المكان وتأثيرها في تطوير الاشكال المعمارية مهمة جدا، لأنه يصعب أحيانا وضع تفسير لمكان ما بسبب الاشكال المعمارية التي أنتجها، رغم أن الامر مرتبط برؤية المجتمع وأسلوب تعامله مع المكان ذاته.  عندما نعود للآية القرآنية مرة أخرى نجد أنها تتحدث عن المكان وعن الاشكال المحتملة (وما بينهما) التي يمكن أن ينتجها المكان، فأنا مازلت أتوقف كثيرا عند تفسير (وما بينهما) وأرى أن سر العمارة يكمن في هذه الاية التي تختزن الكثير من الاسرار التي تحتاج إلى الكشف عنها فما بينهما هي العلاقة بين السماء والارض وهذا قد يشكل كل الظروف البيئة التي هي أحد عوامل السماء والظروف الطوبوغرافية التي هي أحد عوامل الأرض. 

أحد المسائل المهمة والعالقة منذ زمن بعيد بالنسبة لي هي كيف تنتقل النظم الأخلاقية إلى نظم جمالية وفنية، أو كيف تؤثر الأخلاق في الفنون.  كنت أظن، أن فكرة ربط الأخلاق بالفنون هي فكرة "تجريدية" أو هي مجرد "كلام" يقصد به "تفخيم" الفن وإعطاءه قيمة أكبر، والحقيقة أنني تفاجأت بالكثير من التوجهات الفنية ذات البعد الأخلاقي المحظ.  وما أقصده هنا هو أن التوجه الأخلاقي نفسه هو الذي صنع المبدأ الفني.  لقد قال لي عبدالواحد الوكيل: أتعرف لماذا تكون الخطوط العربية بارزة على الجدران وليست غائرة؟  رغم أن هذا كان يمثل مجهودا أكثر ويعني نحت جزء أكبر من المادة (سواء كانت رخام أو جبس أو خشب أو أي مادة أخرى)، قلت له لا، أعتقد أنها مجرد توجه فني محظ، قال لي لا: أنها التقاليد التي جعلت الفنان والحرفي يتأدب مع كلام الله، فغالب الخطوط هي آيات قرآنية، والحرف في اللغة العربية له قيمة عالية، وبدلا من يحفر الحرفي الآيات ويزيل مادتها (والتي هي مادة الآيات القرآنية المحفورة) تطورت تقاليد جعلت الحرفي يزيل المادة التي حول الحروف ويجعلها هي البارزة. 

هذه التقاليد التي بدأت "أخلاقية" وتحولت إلى فنية وبصرية صنعت فن كامل مازال العالم يفتخر به ويراه من أعظم ما أنتجته الحضارة الاسلامية.  أن تحول المبدأ الأخلاقي إلى مبدا فني وتأثيره بعمق في تفاصل المنتج الفني إلى درجة أنه شكل مدرسة بصرية وحرفية خالصة مهم بالنسبة لنا عند دراستنا للفنون التي نشأت في الحضارة الإسلامية، وأنا شخصيا على قناعة كاملة بأن المبدأ الأخلاقي شكل الصورة العمرانية بشكل عام في المدينة العربية الاسلامية، وما أسميته في السابق "الأخلاق الحضرية" هو توجه حقيقي يمكن قرآئته في المنتج الجمالي والعمراني في المدينة العربية العتيقة. 

هذا الرابط بين "الاخلاق" و "العمارة" و "الفن" يجب أن يكون هو المدرسة الفكرية الاساسية في درسة الفنون العربية/الاسلامية وما يمكن أن أسميه "الأخلاق الفنية" هي الفنون التي تعتمد بشكل رئيسي على الآخلاق في نشأتها وتطورها، في اعتقادي أن هذا المبدأ هو الأساس في قرآءة الفنون العربية/الاسلامية.  يعلق الوكيل هنا على كلمة "تجريدي" ويقول أن الفنون العربية/الاسلامية لا تصور خلق الله بشكل مباشر لكنها تتعامل معها بتجريدية عالية جدا، لكنها ليست التجريدية التي يفهمها الغرب، وينقل عن "بيكاسو" الفنان التشكيلي الاسباني المشهور بأنه قال: أنني أجرد اللوحة من أجل الإثارة، وكان يقول أن الاثارة هي كل ما يعنيني، بينما يقوم الفن الاسلامي على "الجيومتري" الذي له اساس رياضي تجريدي عميق.  والحقيقة أن كلمة "تجريدي" مثيرة للجدل، فهي مشتقة في العربية من كلمة "مجرد" وجرد الشيئ أي نزع عنه بعض مافيه أو عراه، وعبدالواحد الوكيل يقول أن التجريد عند الغرب هو "تشويه" وفي العربية، لغويا، تعني تعرية الاشياء أو نزع بعض ما فيها وهذا لا يبتعد عن التشويه نفسه، مما يجعل من إستخدام كلمة "تجريدي" لوصف الفن الاسلامي فيه مغالطة كبيرة.  اعتقد أن وصف الفنون العربية/الاسلامية بأنها فنون أخلاقية هو الوصف الصحيح بدلا من إستخدام مصطلحات لا تمت لثقافتنا بصلة.

الحديث مع عبدالواحد الوكيل متعة، فهذا الرجل أمضى أكثر من أربعين سنة يتعلم فيها العمارة ويعلمها للناس، هو بطبيعته معلم، لا يرافقه أحد إلا وأصبح تلميذ عنده، فهو دائما يفكر كيف يعطي وكيف يشيع المعرفة في الوسط الذي يوجد فيه، لذلك يبقى هذا الرجل في ذاكرة جميع من تعاملوا معه حتى الذين أختلفوا مع أفكاره.       

Add comment


Security code
Refresh